كنتُ أميرةً في مساءٍ من نورٍ ودهشة،
أحملُ تاجًا من وقارٍ لا يبهت،
وأجلسُ على عرشٍ
يزاحمُ عرشَ بلقيسَ في السناء،
وحولي جوارٍ يمشين كالغيم،
لا يطأن الأرضَ إلا بقدرٍ
يَسمحُ للهواء أن يتجمّل بخفتهن.
وفي معصمي أساورُ كسرى
تلمعُ كأنها توقّعُ على صكِّ مجدي الأخير،
وتحت خطايَ يمتدُّ بساطُ علاء الدين
كدربٍ أسطوري
لا يعرفُ النهاية.
كنتُ غنيةً حدَّ الضياء…
غير أنّ قلبي
كان خزانًا مثقوبًا،
تتسرّب منه الطمأنينة
كما يتسرّب الماءُ من أصابعِ العطاشى.
لا ارتواء…
ولا راحة…
ولا أمان يربّتُ على كتفي،
ولا نومٌ يطرقُ أبواب جفني.
ليلٌ بلا نجوم،
وبحرٌ بلا أفق،
ونَفَسٌ يعلو كدخان غريب،
يهربُ من صدري
ويبحث في السماء عن منفذٍ لا يُفتح.
كانت الأحزانُ تأتي بقدمين خفيّتين،
تسحبُ عن جسدي عباءةَ سكينتي
وتتركني حيّةً
لكن بلا حياة.
أتنفّسُ وكأن الهواء
إبرةٌ طويلة
تنغرس في صدري،
وأتذوّقُ الأيام
بطعمٍ لا يُشبه الأيام.
فأسأل نفسي:
أهذا وهمٌ طال مقامي فيه؟
أم حقيقةٌ تسكنني
وتقسمني إلى نصفٍ يتجلّد،
ونصفٍ ينهارُ صامتًا
كما تنهارُ الجبال من الداخل؟
يأتي الطيفُ…
طيفٌ بعيد
ينهَدُّ ما تبقّى من روحي،
ثم ينسلُّ من بين أصابعي
ليُفسح للحنين طريقًا
يمشي فيه مثقلًا
كسنينٍ لم تُنسَ بعد.
ويهدمُ القلبَ هدًّا
ويجلسُ الندم
—ذلك الرفيق الذي لا يستأذن—
على صدري
كضوءٍ ثقيل
لا يُطفأ.
ملكتُ من العدم،
وبين العدم سكّنتُ أيامي.
لم أعد أريدُ مالًا،
ولا ضوضاء تمتدُّ إليّ،
ولا أكفًّا تتصدّق بالكلام.
كلُّ ما أريده:
أمانٌ يُسكّن رعشتي،
وصدقُ صادقين،
وقوّةٌ تُعين ضعفي
على احتمال ما لا يُحتمل.
أريد أن أنسى التاج،
والعرش،
وصوتَ أنينٍ يتسلّقُ صدري
ويُسقطني كلما هممتُ بالوقوف.
أودّ لو أخلعُ هويّتي
كما تُخلعُ الأبواب القديمة،
وأغادرُ إلى مكانٍ
لا يعرفُ اسمي أحد…
مكانٍ أغسلُ فيه جراحي
التي تنزف بصمت،
وتخدشها أيدٍ
أحببتُها بقلبٍ
لم يعرف يومًا
كيف يدافع عن نفسه
حتى أوجعتني